منذ أن خصَّ الله هذه البلاد المباركة بشرف احتضان الحرمين الشريفين، والمملكة العربية السعودية تضطلع برسالةٍ عظيمة تجاوزت حدود الإدارة والتنظيم إلى معنى الرعاية والعناية والقيام بحق ضيوف الرحمن قيامًا يليق بحرمة الشعيرة وقدسية المكان، فخدمة الحجاج في هذه البلاد ليست عملًا موسميًا طارئًا، ولا مهمةً إداريةً مجرّدة، وإنما هي نهج دولةٍ تأسست على خدمة الإسلام والمسلمين، وجعلت من العناية بقاصدي بيت الله الحرام شرفًا تتوارثه القيادة جيلاً بعد جيل.
وقد شهد العالم في العقود الأخيرة حجم التحولات الكبرى التي سخّرتها المملكة لخدمة الحج، حتى غدت المشاعر المقدسة نموذجًا فريدًا في إدارة الحشود البشرية وتنظيمها. فالتوسعات العظيمة للحرمين الشريفين، وشبكات النقل الحديثة، والمشروعات العملاقة في منى وعرفات ومزدلفة، والخدمات الصحية والأمنية والتقنية، جميعها شواهد حية على عنايةٍ استثنائية لم تعرفها مواسم الحج عبر التاريخ بمثل هذا الاتساع والدقة.
ولم تقف جهود المملكة عند حدود البنية التحتية، بل امتدت إلى بناء منظومة متكاملة تُعنى براحة الحاج وسلامته وكرامته منذ لحظة قدومه إلى حين مغادرته. فالتقنيات الحديثة أصبحت جزءًا من رحلة الحاج، بدءًا من إجراءات التصاريح والتنظيم الإلكتروني، وانتهاءً بالخدمات الذكية التي يسّرت التنقل والإرشاد والتواصل، بما يعكس حجم التطور الإداري والتقني الذي بلغته المملكة في إدارة هذه الشعيرة العظيمة.
كما أن الجانب الأمني والصحي يحظى بعنايةٍ بالغة، إذ تتكاتف مختلف القطاعات الحكومية في صورةٍ تعكس أعلى درجات الانضباط والتكامل، حفاظًا على أمن الحجاج وسلامتهم، وتمكينهم من أداء مناسكهم في أجواءٍ يسودها الاطمئنان والسكينة. وليس خافيًا ما تبذله الكوادر الأمنية والطبية والخدمية من جهودٍ جبارة تعمل ليل نهار في سبيل راحة ضيوف الرحمن، ابتغاء الأجر وشرف الخدمة.
وقد تجلّى هذا الاهتمام كذلك في الأنظمة والتعليمات التي وضعتها المملكة لتنظيم أعمال الحج، ومراقبة جودة الخدمات، ومنع كل ما من شأنه الإضرار بالحجاج أو استغلال هذه الشعيرة العظيمة، بما يؤكد حرص الدولة على صيانة حقوق الحاج وحفظ كرامته، وإظهار الحج بالصورة التي تليق بمكانته في نفوس المسلمين.
إن المتأمل في هذه الجهود يدرك يقينًا أن المملكة لا تخدم الحج بوصفه حدثًا سنويًا فحسب، بل تؤدي رسالةً حضاريةً وإنسانيةً وإسلاميةً كبرى، سخّرت لها إمكاناتها وطاقاتها كافة، لتبقى رحلة الحج مثالًا يُحتذى في التنظيم والرعاية وحسن الإدارة، وليظل ضيف الرحمن محل العناية والتقدير منذ أن تطأ قدماه هذه الأرض المباركة وحتى يغادرها آمنًا مطمئنًا.
المحامي يحيى بن زكريا بخش